سيف الدين الآمدي

207

أبكار الأفكار في أصول الدين

ولهذا فإن العقلاء ، وأهل العرف مجمعون على أن يكون الشخص ضعيفا ، خاملا ، محتقرا ، في الأعين مهتضما في النفوس ، قليل الأتباع ، والأنصار مما يقلل الانقياد له ، والدخول تحت حكمه ، والطاعة له . ومع ذلك فإنا أجمعنا على أنه لا يمتنع على النبي - صلى اللّه عليه وسلم - ؛ مع ظهور المعجزة على يده ، أن يكون متصفا بمثل هذه الصفات ؛ فكذلك في المعاصي ، ولا سيما إن كان صدورها عنه عن سهو ، أو خطأ في التأويل ، وأبلغ من ذلك أن تكون قد صدرت عنه قبل الرسالة . الشبهة الثانية : أنه يلزم من صدور المعصية عن الرسول أمر ممتنع ؛ فيمتنع . وبيان الملازمة من ستة أوجه : الأول : أنه يلزم أن يكون استحقاقه / للعقاب ، أشد من استحقاق غيره ؛ لأن زيادة العقوبة على حسب تفاحش المعصية على ما قال - تعالى - : وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها « 1 » . وقوله - تعالى - : مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها « 2 » . وقوله - تعالى - : يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ « 3 » . ولأجل ذلك وجب الرجم على المحصن دون غيره ، وكمل الحد في حق الحر دون العبد . ولا يخفى أن صدور المعصية عمن عظمت نعمة الله عليه ، أفحش من صدورها عن غيره ، ولا نعمة أتم من نعمة النبوة ، فكان صدور المعصية عن النبي أفحش من غيره ، والقول بأن حال النبي - عليه السلام - في استحقاق العقاب فوق حال غيره من العصاة من أمته مخالف للإجماع . الثاني : أنه يلزم من صدور المعصية عنه أن يكون فاسقا ، ويلزم من ذلك أن لا يكون مقبول الشهادة لقوله - تعالى - : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا « 4 » . ومن لا يكون مقبول الشهادة ، يمتنع أن يكون مقبول القول في الأديان ؛ وذلك محال .

--> ( 1 ) سورة الشورى 42 / 40 . ( 2 ) سورة غافر 40 / 40 . ( 3 ) سورة الأحزاب 33 / 30 . ( 4 ) سورة الحجرات 49 / 6 .